شَيءٌ وَاحِدٌ كانَ يَتمَنَّاهُ، سَعى إِليهِ بِكُلِّ الوَسَائِلِ وفِي كُلِّ الأماكِنِ..
قادَ سَيَّارَتهُ بِسُرعَةٍ جُنونِيَّةٍ يَعبُرُ الطُّرُقَ والجُسورَ، كانَ يرغَبُ بِشِدَّةٍ أنْ يَسقطَ فِي الهَاوِيَةِ ولكِنَّ القدَرَ كانَ إِلى جَانِبهِ، فقَدَ سَيَّارَتهُ المُهَشَّمَةَ ولم يكنْ لديهِ أدنَى ندَمٍ عَليها، لقدْ كَرِهَ الحَياةَ..
اختِراعَهُ الذي عَمِلَ لأجلِه ِحتَّى ضَعُفَ البَصَرُ وهَزُلتِ الصِّحَّةُ فِدَاءً لِتقدُّمِ البَشَرِيَّةِ ، لمْ يَتبنَّاهُ أحَدْ..
التجَأ لِلخَمرِ بَعدَ وَفاةِ زَوجَتِهِ، مَشِيئَةُ القدَرِ أرَادَتْ لهُ أنْ يَبقَى وَحِيدَاً يَسعَى للمَوتِ ولا يَجِدُهُ، لقدْ جَرَّبَ كُلَّ شَيءٍ ، حَتَّى أنَّهُ كانَ يتحَرَّشُ بأشقِياءِ الحَيِّ وينعَتُهُمْ بأقذرِ الكلِماتْ، ضَرَبُوهُ بأيدِيهِمْ وأرجُلِهِمْ ولكِنَّهُ لمْ يَمُتْ، وفي مَرَّةٍ مِنَ المَرَّاتِ طَعَنَهُ أحدُهُمْ بِسِكِّينٍ ، وتعَافى أيضاً .. باختِصَارٍ شدِيدْ، تعَرَّضَ لكُلِّ أنواعِ المُسَبِّبَاتِ لمَوتٍ أكِيدٍ ولكِنَّ القدَرَ كانَ دائِماً يُنقِذهُ ..
شَيئَينِ لمْ يَجرُؤْ عَليهِمَا وهُمَا القفزُ أمامَ قِطارٍ مُسرِعٍ أوْ مِنْ عَلى سَطحِ بِناءٍ شَاهِقٍ ..
يأسٌ شَدِيدْ، حُزنٌ لا يُوصَفُ، وهِندامٌ مُمَزَّقٌ قذِرٌ، باتَ شَبيهاً بالمُشَرَّدِينْ ورَائِحَةُ خَمرٍ وعَفَنٍ وإِنتانٍ تُعَكِّرُ صَفوَ أيِّ مَكانٍ يَدخُله ..
النَّاسُ تشْمَئِزُّ مِنهُ وتتحَاشَاهُ، فقدْ كانَ يَبدُو كمَنْ يَحمِلُ أمرَاضَ الدُّنيَا كُلِّهَا فِي جَسَدِهِ وفو مَلابِسِهِ الرَّثَّة ..
قرَّرَ الذَّهَابَ للرِّيفِ والاعتكافَ فِي القريَةِ التي وُلدَ فِيهَا، فقدْ كَلَّ أملاً بأنَّ المَوتَ سَيأتِي قرِيبَاً أوْ أنَّ اختِراعَهُ سَيرى النُّورَ..
في قِطارٍ قدِيمٍ جَلسَ على أبعَدِ مِقعَدٍ مُمكِنٍ عَنِ النَّاسِ فقدْ كَرِهَ البَشرُ وَوَحشِيَّةَ البَشَرِ، كانَ يُرِيدُ الوَحدةَ، فقدْ باتَ حاقِداً عَلى كُلِّ مَا حَولهُ..
كانَ يذكُرُ جَيِّدَاً مُديرَهُ في العَمَلِ عِندمَا كانَ فِي رَبِيعِ العُمرِ وفِي أواسِطِهِ وكَيفَ كانَ ذلك المُديرُ يُرسِلهُ إلى قِمَّةِ الجَّبَلِ ليَتأكَّدَ مِنْ شُرُوقِ الشَّمسِ، كانَ يَذكُرُ قَولهُ لِمُدِيرِهِ أنَّ الشَّمسَ قدْ أشرَقتْ ومِنَ الغَباءِ الذَّهابُ إلى قِمَّةِ الجَّبَلِ، كانَ يقُولُ لِمُدِيرِهِ أنَّ الضَّوءَ لا ينبَعِثُ إلاَّ عِندمَا تُشرِقُ الشَّمسُ، وأنَّهُ مِنْ غيرِ الضَّرُورِيِّ رُؤيَةُ شَيءٍ مَا، أو أمْرٍ أو كَيانٍ مَا، حَتَّى نُصَادِقَ عَلى وُجُودِهِ، كانَ يُحَاوِلُ إثباتَ أنَّ الصُّعُودَ لِقِمَّةِ الجَّبَلِ سَيَسْتغرِقُ وَقتاً وجُهدَاً ثمينينِ نحتاجُ لهُمَا فِي مَكانٍ آخرَ، لكِنَّ المُديرَ كانَ يُصِرُّ على إرسَالِه.
ما يَحُزُّ في نفسِه حتَّى اليَوم أنَّهُ لمْ يكُنْ يملِكُ حقَّ النِّقاشِ ولا حَقَّ الدِّفاعِ عن حقيقةٍ يرَاهَا واضِحةً فكانَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَصعَدُ فيها لقِمَّةِ الجَّبَلِ ويتعَثَّرُ لِيقعَ على أشوَاكٍ تغرِسُ فِي جَسَدِهِ وكَدَماتٍ تترُكُ آثارَهَا على رُكبتيهِ، كانَ يُهَدِّئُ مِن عَصَبِيَّتِهِ وأحزَانِهِ بتفكِيرِهِ بأمرٍ وَحيدٍ وهُوَ أنَّ اللهَ كرِيمٌ ولابُدَّ سَيَأتِي اليَومُ الذي سَيُثبِتُ فيهِ أنَّ الحَقِيقةَ التي يَقُولُهَا صَحِيحَةٌ وأنَّ دَلائِلَ الأمُورِ هيَ بَراهِينُ عَلى وُجُودِهَا ..
عَرَبَةُ القِطارِ تمتلئُ بالنَّاسِ وأحَدُهُمْ عَريضَ الكتِفَينِ، غليظَ السَّاعِدِ، بَشِعَ الوَجهِ ، كان يُتَمتِمُ: كيفَ يَسمَحُونَ لهذا الحَيوَانِ بالرُّكُوبِ مَعنا؟؟.
سَمِعَ الكلامَ فضحِكَ ضِحكةً عَالِيةً صَفراءَ، كانَ يتمنَّى أنْ يَقتُلهُ ذلكَ الفظُّ ليَرتاحَ..
بالقُربِ مِنهُ على بُعدِ مِترينِ وفي ذاتِ العَرَبَةِ جَلسَتْ امرأةٌ بمُتَوَسِّطِ العُمرِ، وَجهُهَا جميلٌ كَرغِيفِ خُبزٍ سَاخِنٍ وقَوامُها أخذَ مِن الحَرِ التفافهُ ومنَ الشَّمعِ العَاجِيِّ لونَهُ، كانتْ بِرفقتِهَا أبنتها، فتاةٌ في بدَايةِ العَقدِ الثانِي منَ العُمرِ، جَمالُهَا أروعُ منْ جَمالِ أمِّهَا ويبدُو عَليها الهَلعُ، تتمسَّكُ بأمِّها مُحاوِلةً الاختفاءَ خلفَ ظَهرِهَا لِتنظُرَ خِلسةً إلى ذلِكَ المُشَرَّدِ ..
عِندمَا ضحِكَ تلكَ الضِّحكةِ الصَّفراءِ دَبَّ الرُّعبُ بقلبِ تلكَ الصَّغِيرَةِ وقد لاحظَ ذلكَ الرَّجُلُ المُشَرَّدُ، الفتاةُ تنظرُ إليهِ بخوفٍ شَديدٍ، كانَ ينظُرُ إليهَا بعينينِ طيِّبتينِ ولكنَّ الفتَاةَ لمْ تُلاحِظْ البَراءَةَ في عَينيهِ، كانتْ تَرى فيهِ شِرِّيراً مُشَرَّدَاً مَجنُوناً، ابتَسَمَ لهَا ولوَّحَ بيدِهِ يُلقي التَّحيَّةَ فزَادَ الخَوفُ وبَدأتْ تِلكَ الصَّغِيرةُ بالبُكاءِ مُطالبَةً أمَّهَا بِمُغادَرَةِ العَرَبَةِ إلى عَرَبَةٍ أخرَى والأمُّ مازالتْ تُهَدِّئُ مِنْ رَوعِهَا، الفتاةُ تصرَخُ إِنَّهُ مَجنونٌ سَيُؤذِينِي، أخَافُ مِنهُ، الأمُّ تُخاطِبُ ابنتَهَا قائِلةً :
يا بُنَيَّتِي هُوَ ليسَ مَجنُونَاً ولا هُوَ بِشِرِّيرٍ ولكِنَّهُ رَجُلٌ قدْ يكونُ حَامِلاً مِنَ الألمِ مَا لا تحمِلهُ الجِّبالُ، قدْ يكونُ مُتألِّمَاً فقطْ، رُبَّمَا أنَّهُ يَتَعَذَّبُ لأمرٍ ما، لا تَخافِي يا صَغِيرتِي فَعينيه تُوحِي كَمْ هُوَ طيِّبٌ وذَكي ..
يا ابنتي عَلينا النَّظرُ لمَا وَراءَ المَظهرِ الخَارِجِيِّ والتفكِيرُ بأسْبابِهِ فمَنْ يبدُو لنَا شِرِيراً قدْ يكونُ طيِّبَاً، وليسَ كُلُّ مَنْ يَبتسِمْ ل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ